أحمد عبدالكريم يكتب”إشراقة الصباح”…” الرحيل “

41

وفاء .. تبلغ من العمر 25 عاما .. تخرجت من إحدي الكليات النظرية ومهتمة بالثقافة والأدب، ولذلك كانت سعادتها كبيرة عندما عملت في إحدي الكليات العامة .. وبالرغم من جمالها وأنوثتها الطاغية وبراءة وجهها وإبتسامتها التي لا تفارقها .. إلا أنها رفضت كل من تقدم لخطبتها .. لم يدق قلبها بعد ولم يأت من يحرك مشاعرها ..وفي إحدي الندوات الثقافية التي كانت تحضرها.. كانت فرحتها كبير عندما وجدت الكاتب الصحفي الأديب “أدهم عبد الحكيم ” يلقي محاضرة عن ” أثر الثقافة والأدب في حياة الشعوب ” .. جلست وفاء تستمع بإهتمام بالغ وتتأمل شخصية أدهم .. يتمتع بشخصية جاذبة وكلماته تنفذ إلي القلوب بسرعة والإبتسامة لا تفارق وجهه .. لديه قبول عجيب ..ولفت نظر وفاء اناقته وشياكته. بعد إنتهاء المحاضرة .. أسرعت خلفه وإستوقفته .. قالت له : إنني معجبة بكل ما تكتبه من مقالات صحفية وروايات أدبية، وأريد أن أسألك عن روايتك الأخيرة ” الرحيل ” .. وبكل شياكة شكرها علي كلماتها الرقيقة وطلب منها أن تزوره في الجريدة التي يعمل بها لمناقشة ما تريد لإنه مرتبط بموعد هام . عادت وفاء إلي منزلها وهي تطير من الفرح .. وسألت نفسها لماذا كل هذه السعادة ؟ .. هل يأتي الحب من أول نظرة كما يقولون ؟ .. أسئلة كثيرة كانت ترددها بينها وبين نفسها .. ولكنها في النهاية .. يبدو إنها وقعت في حب أدهم. وفي اليوم التالي .. ذهبت وفاء إلي الجريدة لمقابلة أدهم .. كان في إنتظارها .. وطالت المقابلة لأكثر من ساعة وكأنهما يعرفان بعضهما من زمن بعيد. وتعددت اللقاءات .. ووقع كل منهما في غرام الآخر وتوج الإثنان هذا الحب العظيم بالزواج . تفرغت وفاء لزوجها الحبيب .. تراعي شئونه وتهتم بتنظيم مواعيده .. كانت سعادتها غامرة بهذه الحياة .. ومن بين إهتماماتها الإشراف بنفسها علي الصغيرة الموجودة حول” الفيلا ” البسيطة بإحدي الأحياء الراقية .. وتروي حوضا من الزهور ،أطلق عليها أدهم إسم” وفاء “.. كان يراقبها بنظراته كل صباح وهي تروي هذا البستان .. يرتدي ” بدلته ورابطة العنق ” وينزل إليها في الحديقة لتناول طعام الإفطار قبل ذهابه لمكتبه ومرت عشرة سنوات علي زواجها دون إنجاب طفل يكمل سعادتهما .. وطلبت منه الزواج أكثر من مرة من أخري حتي يرزق منها بطفل .. يقول لها : إنها تعوضه عن كل شئ في الحياة .. فهي التي إستطاعت أن تنفذ إلي قلبه الذي كان مغلقا أمام الحب والزواج وملأت عليه حياته وطلب من محبوبته ألا تفاتحه في هذا الأمر مرة آخري . وفجاة أصاب وفاء المرض وإحتار الأطباء في تشخيصه وسافر بها إلي بعض الدول الأوروبية لعلاجها وأنفق كل مدخراته علي علاجها .. وبعد رحلة علاج طويلة .. عاد الحبيبان إلي أرض الوطن لإستكمال مسيرة الحياة .. وذات صباح .. وأدهم يراقب وفاء كعادته من خلف النافذة وهي تروي حوض الزهور ” وفاء ” .. سقطت .. أسرع إليها كالمجنون ليجدها قد فارقت الحياة!! وبعد فراق وفاء .. عاد أدهم إلي حياته المغلقة وإنغمس في الكتابة .. يستخرج كل ما لديه من طاقة وأفكار.. كان يلبي القليل جدا من الدعوات التي يجامل فيها . وبعد مرور عشر سنوات علي رحيل وفاء .. أستيقظ أدهم مبكرا كعادته وجلس يكتب مقاله اليومي ليرسله إلي الجريدة .. وكان عنوانه ” الرحيل ” .. ونظر إلي النافذة وتخيل أن وفاء أمامه تروي حوض الزهور وهي ترمقه بنظرة حانية ويعلو وجهها الصبوح إبتسامة عريضة وهو يبتسم لها .. وسقطت قطرات من دموعه خلف نظارته الطبية ووقفت هذه الدموع علي وجنتيه بينما ينادي عليه خادمه ” الفطور جاهز يا أستاذ ” في ” الجيننة ” لكن الأستاذ كان قد فارق الحياة..

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.